القصف الرمزي على الكيميائي السوري: الهدف ليس إطاحة الأسد

القصف الرمزي على الكيميائي السوري: الهدف ليس إطاحة الأسد

يمان الشامي – سوريا:

سيكون الملف السوري في حاجة إلى ساعات أو أيام ليظهر ما إذا كانت الضربة الأميركية- الفرنسية- البريطانية، فجر السبت، لمواقع تابعة للنظام السوري في دمشق وريفها وريف حمص، ستؤدي إلى نتائج سياسية تتجسد في عودة الحديث عن حلّ سياسي انتقالي يطيح النظام تدريجياً، عبر مسار جنيف التفاوضي، بما أن هناك شبه إجماع على غياب أثر عسكري كبير للصواريخ الـ110 التي استهدفت مقرات قال التحالف الغربي إنها تستخدم لتصنيع السلاح الكيميائي الذي يقتل فيه بشار الأسد شعبه، بما أن المقرات المستهدفة تم إخلاء جزء كبير من عتادها طيلة الأيام الماضية.

وانقسم العالم عمودياً حيال ضربات الفجر بين مؤيد وغاضب، رغم أن كل شيء كان مدروساً فيها ليكون القصف محدوداً “في الزمان والمكان”، على حد تعبير مسؤولي الدول الثلاث التي نفذت الضربات من الطائرات ومن البوارج البحرية وقد دامت أقل من ساعة، أُطلقت خلالها 110 صواريخ، قال النظام السوري وروسيا إن أكثر من 70 منها أسقطتها الدفاعات الجوية السورية، وهو ما نفت حصوله كل من واشنطن وباريس ولندن على التوالي. واعترفت العواصم المهاجمة بأن أهداف الضربة كانت محدودة، لأنها لم تكن تنوي منها إلا إضعاف القدرة الكيميائية لنظام الأسد، وهو ما حصل بحسب إعلانات أميركا وفرنسا وبريطانيا. لكن المعسكر الآخر، الإيراني ــ الروسي خصوصاً، بدا مهتماً برفع سقف التهديد، رغم أنه تم تحييد الصواريخ الموجهة بالكامل عن الوجود الروسي والإيراني في سورية، وهو ما يرى كثيرون أنه نقطة ضعف أساسية في القصف الذي أُعلمت موسكو، وبالتالي طهران ودمشق معها، بموعده ومكانه سلفاً.

لكن مع ذلك، لوحت موسكو بأنها ستمنع تكرار مثل هذا القصف من خلال تفكيرها في تزويد النظام السوري بمنظومة أس 300 الصاروخية، بينما كانت طهران تتحدث عن حتمية حصول الرد على القصف، من دون تحديد شكله وموعده. وفي حين أجمعت الأطراف الغربية الرئيسة على دعم القصف الثلاثي، من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي وبقية الدول الأوروبية والأميركية الكبرى التي لم تشارك في القصف المحدود، مثل ألمانيا وكندا مثلاً، فإن انقساماً حصل في المعسكر العربي كالعادة، إذ رحبت دول مثل قطر والسعودية والبحرين بالضربة، بينما عارضتها العراق، حليفة إيران، بعنف، في ظل موقف مصري وجزائري ولبناني أقرب إلى معسكر العراق فعلياً، في حين كان الموقف التركي هو الأكثر لفتاً للأنظار، إذ تحمست تركيا في تأييدها الضربة التي “كان يحب أن تحصل منذ زمن” على حد تعبير رئيس الحكومة بن علي يلدريم الذي استعاد أدبيات تركيا لناحية ضرورة إطاحة بشار الأسد وتخليص السوريين منه، وهو ما ينتظر أن ينعكس، آجلاً أم عاجلاً، على تحالف “معسكر أستانة”، الذي يجمع تركيا إلى روسيا وإيران، اللتين “لم تقوما بواجباتهما في منع النظام من مواصلة هجماته رغم أنهما ضامنتان مناطق عدم التصعيد” على حد تعبير يلدريم دائماً.

وبعد ظهر أمس، أشاد الرئيس دونالد ترامب على “تويتر” بالضربات التي نفذت “بإحكام” في سورية، معلناً أن “المهمة أنجزت”. وكان ترامب، حوالى الساعة الرابعة فجراً بتوقيت سورية، أعلن من البيت البيض، بخطاب حرب إلى الأمة، إن “العملية جارية”، بعدما أمر القوات الأميركية المسلحة “بتنفيذ ضربات محددة على أهداف مرتبطة بقدرات الدكتاتور السوري بشار الأسد في مجال الأسلحة الكيميائية”، موضحاً أن العملية مشتركة بين بلاده وفرنسا وبريطانيا. وأوجز مسؤولان، عسكري ومدني، من “البنتاغون”، عصر أمس السبت حصيلة الضربة سياسياً وعسكرياً. وأعاد مسؤولان من وزارة الدفاع الأميركية تأكيد الموقف الأميركي المعروف من أن “الهدف ليس إطاحة الأسد ونظامه ولا التورط في الحرب السورية، بل تتركز أولويتنا على محاربة تنظيم داعش”. واعتبر المسؤولان أن الضربات ستؤخر البرنامج الكيميائي السوري لسنوات مقبلة، وجزما بأن “دفاعات النظام فشلت في إسقاط أي صاروخ، بعدما أطلق النظام 40 صاروخاً في الهواء بعدما قصفنا أهدافنا”. وأشارا إلى أن لا خسائر بشرية للضربات التي وجهها الثلاثي الأميركي- الفرنسي- البريطاني للنظام السوري، وأن “الضربات كانت دقيقة وفعالة وساحقة واستهدفت توجيه رسالة واضحة لا لبس فيها للنظام السوري للكف عن استخدام الأسلحة الكيماوية”، مع اعترافهما بأن “بعض البنية التحتية للأسلحة الكيميائية لا تزال موجودة في سورية”. وطمأن المسؤولان في “البنتاغون” إلى أن “قناة عدم الاشتباك بين أميركا وروسيا ما زالت تعمل”. وفي حين رحب الحزب الجمهوري بالضربات، دعت زعيمة الأقلية الديموقراطية في الكونغرس نانسي بيلوسي، الرئيس ترامب إلى تقديم خطة مفصلة إلى الكونغرس إذا كان يريد توسيع عمله العسكري. في المقابل، تولى الجيش الروسي التحدث باسم نظام الأسد، فأعلن سريعاً أن الأسد يتابع عمله كالمعتاد من مكتبه في القصر الجمهوري في دمشق، وبثّ التلفزيون السوري الحكومي صوراً للأسد من داخل قصره لتأكيد سلامته واطمئنانه إزاء الوضع.

 وبين إعلانَي البداية والنهاية، تولى مسؤولو الحلف الثلاثي (أميركا وفرنسا وبريطانيا)، والحلف المضاد، النظام السوري وروسيا وإيران، إطلاق المواقف والتهديدات والتحديات المضادة. ولم ينفع اعتراف وزارة الدفاع الأميركية أنها أبلغت روسيا مسبقاً بموعد ومكان القصف “لتفادي سقوط ضحايا روس”، بحسب وزير الدفاع جيمس ماتيس، في تهدئة الغضب الروسي. ونقلت موسكو القصف الثلاثي إلى مجلس الأمن الدولي عصر أمس في نيويورك، حيث تقدمت بمشروع قرار يندد “بالعدوان على سورية من أميركا وحلفائها في انتهاك لميثاق الأمم المتحدة”. لكن مشروع القرار فشل في التصويت، إذ لم ينل سوى موافقة 3 دول (روسيا والصين وبوليفيا)، بينما عارضته ثماني دول، وامتنعت أربع عن التصويت.

وتولى معظم المسؤولين الروس، بدءاً من الرئيس فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف، التنديد بالقصف الذي يهدف إلى “منع عمل لجنة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية” التي كانت تدخل إلى دوما أمس، مع إعلان موسكو نهاية “العملية السياسية” بسبب ضربة يوم أمس، وهي العملية التفاوضية المتوقفة أصلاً نتيجة رفضها من قبل روسيا وإيران ونظام الأسد.

وأكد وزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان أن “جزءاً كبيراً من الترسانة الكيميائية التابعة للنظام السوري تم تدميره”. وأشار لودريان في حديث لقناة “بي اف ام تي في” إلى أن هذه الضربات، التي كانت لفرنسا منها حصة 12 صاروخاً، منها 3 بحرية عابرة تستخدم للمرة الأولى، كانت تهدف أيضاً إلى منع الأسد من استخدام الأسلحة الكيميائية مرة جديدة ضد المدنيين. وختم لودريان أنه “في ما يتعلق بالأسلحة الكيميائية، هناك خط أحمر لا ينبغي تجاوزه، وفي حال تم تجاوزه مجدداً، سيكون هناك تدخل آخر”، مضيفاً: “لكنني أعتقد أنه تم تلقينهم درساً”. بدورها، رأت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أن الضربات شكلت “رسالة واضحة” ضد استخدام الأسلحة الكيميائية، من دون أن تنسى الإشارة إلى أن بلدها لا يسعى إلى إطاحة الأسد من الحكم. ومن جهة حلفاء أميركا وفرنسا وبريطانيا، أفاد رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك بأن الاتحاد الأوروبي “يقف إلى جانب الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا في ضرباتها”. كذلك حال المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي أصدرت بياناً دعمت فيه الضربات ضد النظام السوري، معتبرة أنها “تدخل عسكري ضروري ومناسب”. ولم تخالف كندا الإجماع الغربي على دعم استهداف كيماوي الأسد. أما حلف شمال الأطلسي، فعقد اجتماعاً طارئاً في بروكسل أمس، للتباحث بالحدث السوري، وقال الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ: “ندعم التحركات التي قامت بها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا ضد منشآت وقدرات النظام السوري للأسلحة الكيميائية”.

 وأعربت أنقرة عن حماسة لافتة للضربات، واستعادت خطابها القديم عن ضرورة إطاحة الأسد. وبرأي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فإن الهجوم الثلاثي “بعث برسالة للأسد مفادها أن المذبحة التي ارتكبها لن تمر”، معرباً عن أمنيته بألا يتوقف الأمر حتى يوقف الأسد قتل المدنيين بالأسلحة التقليدية أو الكيميائية. وكان وزير الخارجية التركية، مولود جاووش أوغلو، دعا إلى إزاحة نظام الاسد، مشيراً إلى أن قصف فجر السبت “كان يجب أن يتم منذ وقت بعيد. لقد استخدم الأسد السلاح الكيماوي لأنه بقي في السلطة ولم تتم معاقبته، ونتمنى أن تكون الضربة بهدف الحصول على نتيجة، ولا بد من أن يرحل هذا النظام عن سورية، وإلا ازدادت الفوضى أكثر ودخلنا في مرحلة لا تمكن العودة عنها”. وكانت أنقرة قد أعلنت أنه لم تستخدم قاعدة إنجيرليك في قصف الفجر.

أما في معسكر النظام السوري وحلفائه ورعاته، فقد اعتبر الأسد أن الضربات “لن تزيد سورية والشعب السوري إلا تصميماً على الاستمرار في محاربة وسحق الإرهاب في كل شبر من تراب الوطن”. وكانت وزارة خارجية النظام قد نددت بـ”العدوان البربري الغاشم” على أراضيها. وقالت في بيان إن “توقيت العدوان الذي يتزامن مع وصول بعثة التحقيق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى سورية (…) يهدف أساساً الى إعاقة عمل البعثة واستباق نتائجها والضغط عليها في محاولة لعدم فضح أكاذيبهم وفبركاتهم”. كذلك دان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين “بأقصى درجات الحزم الهجوم على سورية، حيث يساعد عسكريون روس الحكومة الشرعية في مكافحة الإرهاب” على حد تعبيره. واعتبر بوتين أن الغربيين أظهروا “ازدراء وقحاً” بمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية التي من المفترض أن تبدأ السبت تحقيقها في مدينة دوما، بتنفيذهم “عملية عسكرية من دون انتظار نتائج التحقيق”. وسبق للسفير الروسي في واشنطن أناتولي أنتونوف أن وصف الضربات بـ”الإهانة للرئيس الروسي”، متوعداً بأن تكون لها عواقب. وفي السياق، أعلنت وزارة الخارجية الصينية معارضتها “استخدام القوة”، داعية إلى العودة “إلى إطار القانون الدولي”. في المقابل، فضلالمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وصف ترامب ونظيره الفرنسي ايمانويل ماكرون وماي بـ”المجرمين”، علماً أن الرئيس حسن روحاني سارع إلى الاتصال بنظيره بالأسد.

عربياً، أعربت السعودية وقطر والبحرين عن تأييد الضربات ضد أهداف النظام في سورية. وحمّل مصدر مسؤول في وزارة الخارجية السعودية النظام في بيان “مسؤولية تعرض سورية لهذه العمليات العسكرية”. أما الدوحة، فطالبت باتخاذ “إجراءات فورية لحماية الشعب السوري وتجريد النظام من الأسلحة المحرمة دولياً”، بحسب ما جاء في بيان لوزارة الخارجية القطرية. وفضل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش التروي ودعوة الجميع إلى “ضبط النفس”، والامتناع عن كل عمل من شأنه أن يؤدي الى تصعيد.

والمقرات الحكومية السورية المستهدفة كانت ثلاثة بحسب الإعلانات الأميركية والفرنسية، وهي مركز البحوث العلمية في برزة (دمشق)، وهو تابع لوزارة الدفاع السورية، ويُعتبر مركزاً يتم فيه تطوير قدرات قوات النظام عسكرياً، كما يُعتقد أنه من المراكز التي تتم فيها عمليات تطوير السلاح الكيميائي السوري، ومطار الضمير العسكري في ريف دمشق، الذي يعتقد أن طائرات مجزرة دوما الكيميائية انطلقت منه بالتحديد، بالإضافة إلى مركز ثالث في حمص لتصنيع السلاح الكيميائي.

اترك رد

يجب ذكر المصدر عند النقل . موقع المصيدة الإخباري