عبد الباري عطوان.. البندقية من “الكتف” القطري إلى “الكتف” الإماراتي!

عبد الباري عطوان.. البندقية من “الكتف” القطري إلى “الكتف” الإماراتي!

مع بزوغ “نجم” الثورات العربية أو “الربيع العربي” – كما يحلو للبعض تسميته -، بدأ “نجم” كثير من الأعلام الفكرية والسياسية والثقافية والإعلامية في العالم العربي بـ “السقوط”. ولا نعني بذلك، أنهم سيغيبون عن “المشهد” أو المجال، الذي يعملون فيه، ولكننا نعني بذلك أن شعبيتهم التي حصدوها، وحضورهم الذي سجّلوه كـ “ضمائر” للشعوب المستضعفة، التي كانوا ينطقون باسمها، ويتحدثون نيابة عنها، ستضمحل وتذوي!

عبد الباري عطوان، هو أحد هؤلاء “الأعلام”، الذي لم يكن يتمنّى كثيرون أن ينزلق “منزلقاً”، يبدو فيه أنه مدافع عن النظم الفاسدة والمستبدة، وأنه يقف في مواجهة تطلعات الشعوب وأمانيها. قد يرى عطوان ومن يحبه، أنه “حكم” قاس مخالف للواقع، مستشهدين بعشرات النصوص، التي دافع فيها عن الشعوب المستضعفة، وعارض فيها النظم المستبدة والفاسدة، ولكنها “لعبة” لم تعد تنطلي على كثيرين، كانوا يصدّقون عطوان، بأنه “نصير المستضعفين”، و”عدو الاستبداد”، وتبيّن أن تلك هي “عدّة الشغل”، التي كان عطوان يرى أنه لا بد من استخدامها، وهو يقدّم نفسه ويسوّقها لدى جماهير الأمة العربية، تماماً كما كانت فلسطين لا تغيب عن بيانات وكلمات معظم الحكام العرب في عقود ماضية، لدرجة أن كثيراً من الناس كانوا يعتقدون أن هؤلاء الحكام “يعشقون” فلسطين، أكثر من عشقهم لبلادهم، أو لزوجاتهم وأولادهم!

أدرك عطوان ذلك، منذ هجرته إلى “لندن” عام 1979م، التي أطلق فيها صحيفة “القدس العربي” بعد عقد من الزمان قضاه مندوباً صحفياً لصحف سعودية، حيث تمكن من إقناع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بتمويل هذه الصحيفة، طالباً منه هامشاً من الحرية، لكي يهاجم – أحياناً – بعض سياسات ومواقف المنظمة، وكان عرفات يملك من “البراغماتية”، ما يجعله يقبل بذلك، مقابل أن يستخدم عرفات “القدس العربي” منبراً للهجوم على خصومه داخل فتح وخارجها… أتقن عطوان “اللعبة”، واستمر فترة يتموّل فيها من عرفات، إلى أن أوقف عرفات “خزائنه”، لأن “الفجوة” اتسعت كثيراً بين “الحليفين”، خصوصاً بعد اتفاقية أوسلو، التي عارضها عطوان، ولم يكن ممكناً أن يسوّقها أو يروّج لها، فهي سـ “تحرق” صورته، التي بناها. وهنا بدأت رحلة المتاعب بالبحث عن “مموّل” جديد لجريدة عطوان، الذي وجد في قطر “ضآلته” المنشودة، فقد كانت تلك بداية “العصر الذهبي” لقطر، التي بدأ أميرها الشاب – حينذاك – حمد بن خليفة آل ثاني خطواته نحو تأسيس “النفوذ القطري” عبر وسائل الإعلام، فكانت “فضائية الجزيرة”، التي أرادها أداة وذراعاً إعلامياً لتحقيق أهدافه السياسية، لذا كان عطوان أحد “الثوابت الإعلامية” في “الجزيرة”، فهو ضيف دائم في نشرات الأخبار والبرامج الحوارية. ومثّلت هذه أحد عوامل شهرته، حيث كان الأكثر شعبية وحضوراً بالنسبة لمشاهدي الجزيرة، إذ كان عطوان يهاجم خصوم قطر السياسيين ويلمزهم بلسانه “السليط”، و”حججه القوية”، وكان ذلك هو المطلوب بالنسبة لقطر!

ولا يفهمن أحد من ذلك، أن عطوان كان يتجاوب مع توجيهات قطرية، ولكنه كان يعلم من “أين تؤكل الكتف”!.. فعطوان بحكم تكوينه الفكري “اليساري”، وبحكم النشأة في بيئة فقيرة، كان دائماً ضد الحكم في السعودية، الذي مثّل بالنسبة له نظاماً رجعياً موالياً لـ “الإمبريالية”!.. لذا كان النقد اللاذع الذي يشنّه عطوان ضد النظام السعودي في جريدته، أو في “فضائية الجزيرة”، يدغدغ مشاعره، كما هو بالنسبة لأمير قطر!

استمرت الرعاية القطرية لعطوان حتى بداية اندلاع الثورات العربية، التي اندفع عطوان في تأييدها بقوة في تونس أولاً، وفي مصر ثانياً، ولكن كانت المفاجأة في مواقف عطوان من الثورتين الليبية والسورية، فبعد ترحيبه بهما في البدايات، تحوّل فجأة إلى نقد شديد لهما، وخاصة الثورة الليبية، بحجة “تدخل الناتو” العسكري، وعندما عقد مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الوطني الانتقالي المؤقت، مؤتمراً صحفياً في 3 أيلول/ سبتمبر 2011م، متهماً عطوان بأنه تلقى “دعماً مالياً” مستمراً من نظام معمر القذافي، بناء على وثائق ومستندات تم العثور عليها في المكاتب الاستخبارية والأمنية… ثارت ثائرة عطوان، الذي أعلن “الحرب” على الثورة الليبية، فعطوان المعروف بـ “شخصانيته”، واعتداده بنفسه، ونرجسيته، لا يمكن أن يتقبّل اتهاماً كهذا، خصوصاً إذا كان “مشفوعاً” بالوثائق، ومن شخصية بوزن ومكانة مصطفى عبد الجليل.. أما بالنسبة للثورة السورية، فقد بدأ تحوّله تدريجياً ضدها، وفي كل مقالة عنها، كان يبدأها بنقد النظام، ثم يتحوّل لنقد الثورة السورية، وكانت حجج نقدها متنوّعة، بعضها يتعلّق بـ “التدخل الخارجي”، ولا يعني به التدخل الإيراني أو العراقي أو اللبناني (عبر ميليشيات حزب الله) بالطبع، ولكنه يعني التدخل الأمريكي والسعودي وغيرهما، وهو التدخل الذي لم ير أحد ترجمة عملية ميدانية له حتى الآن على الأقل!.. وبعضها يتعلّق بممارسات بعض فصائل المعارضة السورية على الأرض.. المهم، أن المشكلة تحوّلت من النظام إلى الثوار.

ولم يتوقف الأمر عند نقد الثورتين الليبية والسورية، بل تعدّاه إلى الثورة المصرية، حيث أفسح صفحات جريدته لمجموعة من “الناصريين” الحاقدين، الذين شنّوا من خلال جريدته “حملة شعواء” على الرئيس المصري محمد مرسي، وكانوا مؤيّدين بشكل سافر للانقلاب في مصر!.. والغريب أن عطوان أعلن معارضته للانقلاب، في الوقت الذي كان ينشر فيه تقارير مؤيّدة له، وهي “انتهازية” كانت مثيرة للتساؤل، عن الموقف الحقيقي لعطوان من الانقلاب.

هنا، كان لا بد من تدخل “المموّل” القطري، الذي نبّه عطوان أكثر من مرة، إلى أن جريدته تحوّلت من جريدة مؤيّدة للثورات إلى معارضة لها، ولكن عطوان، الذي لم يرق له تصدّر الإسلاميين للمشهد السياسي في دول الثورات العربية، على حساب حلفائه القوميين واليساريين، لم  يتجاوب مع “المموّل” القطري، خاصة وأن “الندوب” التي تركها اتهام الثوار الليبيين له، بـ”القبض” من القذافي، كانت لا تزال تترك آثارها على نفسه، فضلاً عن أن الغرور بلغ عنده مبلغاً جعله لا يتوقع ردة فعل القطريين، فكانت الصدمة شديدة عليه، عندما طلبوا منه الاستقالة!

وهنا، فاجأ عطوان محبيه وخصومه على حد سواء، بمقالة كانت الأخيرة له، بعنوان:” إلى القراء الأعزاء وداعاً.. وإلى لقاء قريب إن شاء الله”، أعلن فيه استقالته من جريدة (القدس العربي) دون أن يذكر أو يلمّح عن أسباب هذه الاستقالة. لقد شكلت استقالته “صدمة” كبيرة، لأن الفكرة الموجودة عند جميع متابعي (القدس العربي)، بما فيها العاملين في الجريدة، أن مالكها هو عبد الباري عطوان ، فإذا بهم يفاجأون بأن هناك مالكاً آخر، لم يجرؤ عطوان على الإفصاح عن اسمه، أو التلميح له!.. لم يكن موقف عطوان ينطلق في ذلك من “موقع أخلاقي”، ولكنه لا يستطيع أن يقول بأن مالك الجريدة هي قطر!.. عبد الباري الذي قدّم نفسه بوصفه معارضاً شرساً لأمريكيا، يعمل في صحيفة مموّلة من قطر، التي تستضيف أكبر قاعدتين أمريكيتين في المنطقة (العديد والسيلية)!.. لذا قرّر عطوان أن يتجرّع “مرارة” إقالته، والتفكير في “الوجهة” الجديدة له، ويبحث فيها عن ممّول جديد، لمشروع إعلامي جديد، حيث رأى وهو الخبير بالجهات المموّلة، والذي يعرف من: “أين تؤكل الكتف؟!”، كما تقدم ذكره، أنه لا بد من إطلاق مشروعه الإعلامي الجديد، وهو الموقع الإخباري (رأي اليوم)، حيث باشر بإطلاقه، ليكون منبره الإعلامي، الذي يمارس من خلاله عمليات الضغط والابتزاز، عبر إرسال رسائل متعددة للجهات المموّلة، التي كانت الإمارات إحداها، وهي من تتولّى كبر الحملة على “الثورات العربية”، وتمويل “الثورات المضادة” لها!

عطوان بدأ حملة “ناعمة” ومبرمجة، بشكل مباشر، وغير مباشر، وتحت عناوين مختلفة، على تركيا وقطر (الداعمتين للثورات العربية)، في رسالتين مزدوجتين إلى الإمارات وإيران، لهذا بدأنا نشاهد حضوراً كبيراً لعطوان في الفضائيات المدعومة من الإمارات (سكاي نيوز عربية)، ومن إيران (الميادين، المنار).

وقد التقط الإماراتيون رسالة عطوان، وبدأوا بنسج خيوطهم معه، فها هم يكسبون إلى جانبهم “وجهاً مقبولاً”، يخوضون فيه معاركهم ضد تركيا وقطر والإخوان وغيرهم!

لاحظوا، كيف انتقل عطوان “ببراعة” من معسكر إلى آخر، ومن خندق إلى آخر.. إنه باختصار: نقل “البندقية” من “الكتف” القطري إلى “الكتف” الإماراتي!.. إنها “حرفة” يجيدها عطوان، ومكمن الإجادة أنه يستخدم في الانتقال الأسلوب “الناعم”، وليس “الفج”، كما هو حال الكثير من الانتهازيين!

تعليقات (1)

  • الصابر عربي

    يا حيف عبد الباري عطوان، لقد أصبح عبد خامئني عطوان ونسي أصله وأهله وفقد احترام كل من عرفه وأصبح نكره

    رد

اترك رد

يجب ذكر المصدر عند النقل . موقع المصيدة الإخباري