عزمي بشارة.. ذكاء العلماني في زمن “الصعود الإخواني”!

عزمي بشارة.. ذكاء العلماني في زمن “الصعود الإخواني”!

إذا كان العلامة الشيخ يوسف القرضاوي، هو المنظّر الشرعي الفقهي لـ “الثورات العربية”، فإن عزمي بشارة هو المنظّر السياسي لها.. ولعلّها من المفارقات الطريفة، أن تكون إقامة المنظّرين هي العاصمة القطرية (الدوحة)، وهي إقامة غير مرتبطة زمنياً بالثورات العربية، فالقرضاوي هاجر هرباً من بطش النظام الناصري قبل أكثر من خمسة عقود، أما بشارة، فقد هاجر إليها هرباً من الكيان الإسرائيلي قبل نحو عقد من الزمان!.. وإذا كانت خلفية القرضاوي الإسلامية والإخوانية – التي لا ينكرها – تسمح بـ “اتهامه” بأنه من “الإخوان”، فإن خلفية بشارة الدينية والفكرية والسياسية لا تسمح ب “اتهامه” على الإطلاق بـ “التأخون”، أو أنه من “الخلايا النائمة للإخوان”!.. وليس هذا غريباً على إعلام “الفلول” في مصر ومن هم على شاكلته، ولكن ما منعهم من اتهامه، هو أن بشارة مسيحي الديانة، شيوعي النشأة، قومي الاتجاه، علماني الفكرة!.. كلها صفات ومواصفات لا يصلح معها الاتهام بـ “التأخون”، أو العمل في “الخلايا النائمة”!

كان يمكن لغير بشارة، أن يحظى بشرف لقب أو صفة “المنظّر السياسي للثورات العربية”، مثل محمد حسنين هيكل وعبد الباري عطوان وغيرهما، لولا أن هؤلاء توقفت مساندتهم للثورات عند الثورتين التونسية والمصرية، وتغيّرت مع الثورة السورية وما تلاها، حيث تحوّلت الثورات إلى “مؤامرة” أمريكية انضوت تحت جناحها تركيا وقطر!

أما عزمي بشارة، فقد كان له رأي مختلف، حيث ساند الثورات جميعها، واستند في تأييده لها، على مخزون فكري وثقافي، إضافة إلى قراءة سياسية دقيقة، خصوصاً أنه لمس وهو المتقن للّغة العبرية، والراصد للصحف الإسرائيلية، مدى القلق والاستياء الإسرائيليين مما يجري في المنطقة من تحوّلات، خصوصاً بعد سقوط مبارك “الكنز الاستراتيجي” لإسرائيل، ما يعني بالنسبة له، أن “بوصلة” الثورات صحيحة، وليست خاطئة!

لعلّ هذه المواقف، هي التي فتحت على بشارة “باب جهنم” من قبل النظم العربية المستبدة، ومن قبل “رفاقه القدامى” من القوميين واليساريين، الذين كانوا قد احتفوا به عندما غادر بلاده إلى غير رجعة، بعد الاتهامات الإسرائيلية له بإقامة صلات مع الإيرانيين و “حزب الله”، وما ترتب عليها من إدانته وسحب الجنسية الإسرائيلية منه، ناسين أو متناسين “نضال” عزمي بشارة، الذي كان محلّ إشادتهم،  خاصة وأنه متهم بإقامة صلات مع “محور المقاومة والممانعة”، كما نسوا أنهم نصّبوه رئيساً لأعمال المؤتمر القومي العربي الذي عقد في المنامة، وكادت أكفهم أن تتوقف من حدّة وتكرار “التصفيق” لبشارة، كلّما انتهى من جملة، أو صدرت عنه كلمات خلال ذلك المؤتمر الذي عقد عام 2007م!

ولكن “الرفاق” انتقلوا بشكل “دراماتيكي” من الإشادة بـ “الرفيق المناضل”، إلى اتهامه بـ “العمالة” و “الخيانة”، وذهب بعضهم إلى أنه “مشروع اختراق” من قبل الإسرائيليين، الذين أرسلوه في “مهام” استخبارية، بغرض اختراق “محور المقاومة والممانعة”!.. ولأن هذه التهمة لا تتسق مع كون بشارة انتقل للإقامة في قطر، التي تنتمي وفقاً لأولئك – إلى المحور “الأمريكي”، فقد فسّروا ذلك، بأن الإسرائيليين طلبوا منه الذهاب إلى قطر، ليقود عملية توجيه القيادة السياسية في قطر في دعم “الثورات العربية”، وتنصيب الإخوان المسلمين بديلاً عن النظم المنهارة!.. إنه تحليل وتفسير بائسين، لا يمكن “صمودهما” و “تماسكهما”، أمام أي منطق لمبتدئ في “علم السياسة”، فضلاً عن خبير فيها!

لقد غطّت الحملة الإعلامية البشعة، التي قادها “الرفاق القدامى” ضد “رفيقهم” عزمي بشارة، على “زوايا” أخرى كان يمكن التركيز عليها لـ “تجريم” أو “نقد” بشارة، و “هزّ” صورته أمام الرأي العام، لأن نقد بشارة من زاوية تأييده لـ “الثورات العربية”، التي تحظى بشعبية واسعة، هي “عملية” خاسرة لـ “تشويه” صورته وفقاً لما يريدون.

ولأننا هنا معنيون في تناول الشخصية من جميع جوانبها، فإننا سنتناول – موضوعياً – الوجه الآخر لبشارة، وهو الذي يتعلّق بطبيعة شخصيته ونفسيته، اللتين تنعكسان على مسلكيته وتعامله مع الآخرين، خصوصاً عندما تكون هذه الانعكاسات ذات دلالات سلبية. إن مشكلة بشارة في تقديرنا، كانت وما تزال تكمن في “الأنا العليا” أو كما تسمى باللغة الإنجليزية “super-ego”، وهي صفة نفسية تجعل صاحبها يشعر بالغرور والنرجسية والكبر، مما يكون له انعكاسات سلبية على الشخص المتعامل معه. ولعلّ عشرات ممن تعاملوا مع بشارة يدركون هذه الصفة، لذا ابتعد بعضهم عنه، أو أخذ بعضهم يتجنّبون التعامل معه، ودخل بعضهم  معه في مواجهات أدت إلى القطيعة معه!

إن مشكلة “الأنا” عند بشارة متضخمّة لدرجة، انعكست في حركاته، وليست فقط في سلوكه، حيث يلاحظ ذلك في “مشيته” وفي “جلسته” في الندوات، كما يلاحظ في الندوات التي يعقدها “مركز البحوث العربية ودراسة السياسات”، الذي يراسه في قطر، حيث لا يمكن أن تجده مشاركاً في ندوة مع آخرين، وإنما تخصّص له “محاضرة” مستقلة يلقيها على مجاميع الحضور.

ومتصلاً بالصفة المذكورة، هناك صفة “الاستبداد” والرغبة بالتحكم والسيطرة، وهي صفة كانت واضحة، عندما حدث “الصدام” بينه وبين مدير عام شبكة “الجزيرة” السابق وضاح خنفر، حيث أراد بشارة أن يفرض “رؤيته” على خنفر، وهو ما رفضه خنفر بقوة، خاصة وأن بشارة لا يملك موقعاً أو منصباً رسمياً، يجعل خنفر تحت “ولايته” أو “وصايته”، فعزمي بشارة، هو مستشار سياسي – غير معلن وغير رسمي – عند أمير قطر، وهو منصب لا يؤهّله لأن يوجّه خنفر أو يأمره، ولكن بشارة لم يرق له ذلك، وعمل على “تحريض” الأمير السابق حمد بن خليفة على خنفر، حتى نجح في إبعاده بعد ثمانية أعوام قضاها خنفر في إدارة “الجزيرة” بنجاح!.. ولم يكتف بشارة بهذا “الإنجاز” بل حاول “فرض” بديل موال له، هو محمد داوود  الذي كان مديراً لتحرير موقع “الجزيرة نت قبل أن يتم نقله إلى منصب مدير “التخطيط الإخباري” في فضائية الجزيرة بتوصية من بشارة،  الذي كان يدفع بـ “داوود” ليحلّ محلّ خنفر!.. ولكن الضجة التي أثارتها إقالة خنفر، وما تسرّب عن دور لبشارة في ذلك، فضلاً عن “الحضور الدائم” له على قناة “الجزيرة”، هو ما أكد ما أثير عن دور له في حرمان داوود – مرشّح بشارة – من المنصب الجديد، بل تم استبعاده إلى موقع غير ذي تأثير، وهو رئيس إدارة “الجودة”، التي تم تأسيسها – على ما يبدو – لاستيعاب المبعدين والمهمّشين!

وفي تحليل لموقف بشارة من خنفر، خارج إطار الرغبة بالسيطرة والنفوذ والتحكّم، هناك من يشير إلى بعد آخر يبدو أنه “عميق” في نفسية بشارة، وغير واضح للكثيرين، وهو ما يتعلّق بالموقف من “الإسلاميين”، فعلى الرغم من حرص بشارة على إبداء مواقف “ديمقراطية” وغير متعصّبة أو متشدّدة من الإسلاميين، فإنه على ما يبدو أصيب بما أصاب كثيراً من رفاقه القوميين واليساريين والعلمانيين من “غيرة” و”حساسية” من تصدّر الإسلاميين للمشهد السياسي بعد الثورات، خصوصاً وأن هذه الصدارة جاءت عبر “بضاعتهم”، التي طالما بشّروا بها، وهي “صناديق الاقتراع”!.. ولكن ذكاء ووعي عزمي بشارة، جعله أكثر اتزاناً وموضوعية في تعامله مع “الإسلاميين”، وحاول بطرق “التفافية” وغير مباشرة، تحجيم نفوذهم، حيث مارس هذا الدور من وراء الكواليس، وبعيداً عن الأضواء، مستفيداً من علاقاته مع أمير قطر السابق واللاحق!

 على أي حال ، تبقى الملاحظة المتعلَقة بموقف عزمي بشارة من الإسلاميين محلَ أخذ ورد ، ستؤكدها أو تنفيها الأيام المقبلة ، ولكن يبقى نموذج بشارة في التعامل معهم حتى الآن ، يمثَل ذكاء العلماني في التعامل مع زمن الصعود الإخواني !

تعليقات (2)

اترك رد

يجب ذكر المصدر عند النقل . موقع المصيدة الإخباري