كيف “صنعت” واشنطن وفد الائتلاف المفاوض في جنيف؟

كيف “صنعت” واشنطن وفد الائتلاف المفاوض في جنيف؟

لفت انتباه السوريين أن أول مخالفة، بل وأكبرها، عندما باشر وفد الائتلاف مفاوضاته مع وفد بشار أسد، وقد تركوا وراء ظهورهم ما كانوا يشترطونه لقبولهم التفاوض مع النظام، أن يرفع الحصار عن المدن والأحياء، وأن يتم إدخال الإغاثة والأدوية بحرية للجائعين والجرحى، وأن يتوقف قبل ذلك القصف بالبراميل وغيرها.

غير أن أي شيء من ذلك لم يحصل، بل لقد زادت شدة القصف، حتى إن داريا لوحدها أسقط عليها 10 براميل يوم الخميس 30 يناير. وتبين أن وفد الائتلاف المفاوض كان يستعجل التفاوض، ولو على وقع دمار الوطن. فكيف وصلنا إلى ذلك؟

أضاع هؤلاء فرصة العمر أن يستثمروا كسْر المتظاهرين حاجزَ الخوف الذي غرسه حافظ أسد في صدور الشعب السوري على مدى ثلاثين عاما. وأكمل وريثه بشار أسد بعشرة أعوام أو تزيد، جدار أبيه بل عمّق حاجز الخوف أكثر.

لا أكون مغاليا لو قلت إن كسر الثورة حاجز الخوف كان فتحا مبينا. ولولا ذلك لبقيت أجهزة أمن بشار أسد تفتك في الشعب السوري خوفا واعتقالا وقتلا ثم لا تجد سوريا يجرؤ على أن يقول لا، لمخبر من أجهزة المخابرات، أو يرفع عينيه في وجه أحد أعوان السلطة. وجاءت مسارعة وفد الائتلاف لتضيع ذلك كله.

وحين بدأ الانشقاق في صفوف الجيش النظامي، وبدأت كتائب الجيش الحر تقاتل جيش بشار، الذي انكسرت شوكته حتى أنه لم تعد تستطيع طائرة أن تهبط في مطار دمشق، وأصبح زوار بشار يأتون عن طريق لبنان.

كما هجر مكتبه في قصر الشعب الذي كلف السوريين المليارات، ليستقبل ضيوفه في جناح في أحد أجهزة المخابرات. وبدأ الإعلام الغربي والعربي العدّ التنازلي لسقوط بشار وهدم الدولة البوليسية التي أفنى حافظ أسد عمره في بنائها وتحصينها لكي تحميه وتحمي رثته من بعده.

وسارعت إيران فزادت دعمها لنظام بشار أسد وفتحت خزائنها لتمويل آلة الحرب الأسدية، بعد أن هبطت الليرة السورية من 50 ليرة للدولار عند بدء الثورة إلى أكثر من 300 ليرة للدولار.

وتدخل حسن نصر الله فدفع ميليشيات حزبه داخل سورية، وفتح نوري المالكي حدود العراق لتدخل منه ميلشيا أبو الفضل العباس لتقاتل إلى جانب النظام، وزودت موسكو بشار بالبراميل التي دمرت البلاد وقتلت العباد، وبدأنا نلحظ تفوقا لقوات النظام وتراجعا لفصائل الجيش الحر، الذي كان يفتقر لأسلحة فعالة في مواجهة آلة بشار الحربية. وقد تبين للسوريين أن ذلك كان بعلم واشنطن ورضاها، وأنها تخطط لما هو أبعد من ذلك.

فخلافا لما كانت تقوم به موسكو وطهران من دعم قوات بشار وحلفائه، بقيت واشنطن ترفض تزويد كتائب الجيش الحر بمضادات للطيران، بل وتمنع حلفاءها أن يفعلوا ذلك، ما أثر تأثيرا مدمرا على تماسك وحدات الجيش الحر.

في هذا الوقت تصاعد في المناطق المحررة شكاوى المواطنين عما يقوم به تنظيم دولة العراق والشام “داعش” من قتل واعتقال. ودخلت وحدات عسكرية من الجبهة الإسلامية في قتال مع داعش. وتضافرت هجمات النظام وحلفائه مع قتال داعش مع كل من الجبهة الإسلامية وجبهة النصرة إلى إصابة السوريين بإحباط.

في هذه الأثناء، كانت واشنطن تطبخ في كواليس المعارضة السورية طبخات مسمومة، فبعد أن أرغم معاذ الخطيب أول رئيس للائتلاف على الاستقالة، بدأت واشنطن تضغط لإضافة عدد من الليبراليين واليساريين لتعديل الكفة مع الإسلاميين، حين أشهر الائتلاف في ديسمبر2012 كان عدد أعضاء الائتلاف 65 عضوا.

وبضغط من واشنطن أضيف 23 عضوا من مجموعة ميشيل كيلو لوحدها، وأصبح العدد 121 في يونيه 2013، وليتبين أن المجموعة الإسلامية لا تملك إلا سبعة أعضاء فقط، بمن فيهم أربعة أعضاء لمجموعة العمل الوطني التي كانت يوما من الأيام في صفوف الإخوان المسلمين.

وجرى الانتخاب ففاز أحمد عاصي الجربا بالرئاسة، بفارق صوتين عن مصطفى الصباغ الأمين العام السابق للائتلاف، بعد أن بدل بعض من هو محسوب على الإسلاميين موقفهم وصوتوا للجربا.

أرادت واشنطن من هذه المسرحية أن يكون هناك أكثرية في الائتلاف توافق على الذهاب إلى جنيف، ثم توافق على البيان الختامي الذي سيصدره المؤتمرون بنهاية المؤتمر، وهكذا كان. ورغم كل ذلك لم يوافق على الذهاب لجنيف إلا 58 من 121 عضوا.

وكانت المهزلة الكبرى هو نوعية أعضاء الوفد المفاوض الذي كان لا يملك خبراء في صفوفه يكونون أهلا لمواجهة وفد نظام عريق في اختلاق الأكاذيب، بل كانت هناك علامات استفهام كبيرة حول أشخاص وضعوا في واجهة وفد الائتلاف.

فأحدهم كان مقربا من محمد حمشو اليد اليمنى  للملياردير رامي مخلوف ابن خال بشار أسد الذي نهب سورية بشركاته المختلفة. وآخر قدمت له إحدى الدول العظمى قبل سنوات مبلغ خمسة ملايين دولار ليفتتح بها قناة فضائية ناطقة بالعربية. وثالث أحضر معه شركة دعاية بريطانية تقاضت مبلغ مليون دولار من الائتلاف. ورابع وخامس و .. وما خفي كان أعظم.

أخيرا: ربما يكون الأخطر أن يضم الوفد المفاوض أشخاصا كانوا إخوانا مسلمين قبل سنوات قليلة. وسنجد أن الإخوان الذين رفضوا الذهاب إلى جنيف قد أصبحوا شركاء من دون علمهم، في أي إساءة قد يرتكبها أعضاء وفد الائتلاف المفاوض بحق الثورة السورية.

نقلاً عن مجلة العصر

اترك رد

يجب ذكر المصدر عند النقل . موقع المصيدة الإخباري