مجزرة السويداء: يوم سوري أسود بتوقيع “داعش” وبألغاز كثيرة

مجزرة السويداء: يوم سوري أسود بتوقيع “داعش” وبألغاز كثيرة
يمان الشامي – سوريا:
تطرح الاعتداءات الدموية التي نفذها تنظيم “داعش”، أمس الأربعاء، في محافظة السويداء جنوبي سورية وأسفرت عن عشرات القتلى، العديد من الألغاز والتساؤلات والرسائل، خصوصاً أنها تأتي في خضم صراع عسكري محتدم في منطقة قريبة من هذه المحافظة بين فصيل تابع لتنظيم “داعش” من جهة، وبين قوات النظام التي تواجه “مقاومة” شرسة من هذا الفصيل من جهة أخرى. لكن المؤكد أن المجزرة ستبقى من المجازر الطائفية الكبرى في الحرب السورية، ويخشى أن تزيد من إضعاف ما تبقى من اللحمة الوطنية السورية، خصوصاً لناحية العلاقات المتوترة التي زادها النظام و”داعش” وأخواته توتراً بين المكونات الطائفية في سورية.

وفي يوم سوري أسود جديد، قتل ما يناهز 150 سورياً، فضلاً عن جرح 200 من أهالي السويداء، في المدينة وفي ريف المحافظة، في سلسلة هجمات مباغتة وتفجيرات انتحارية نفذها مسلحون ينتمون إلى “داعش”، بعدما فتحوا جبهة غير متوقعة امتدت بطول نحو 20 كيلومتراً في ريفي السويداء الشرقي والشمالي الشرقي، مستهدفين قرويين قتلوا عدداً منهم، إضافة إلى قتلهم عشرات آخرين في تفجيرات انتحارية وسط المدينة، فيما ترجح مصادر محلية ارتفاع عدد القتلى بسبب خطورة إصابة بعض الجرحى.

وأعلن التنظيم، في بيان تداولته حسابات جهادية على تطبيق تلغرام، “شنّ جنود الخلافة صباح الأربعاء هجوماً مباغتاً على مراكز أمنية وحكومية داخل مدينة السويداء، واشتبكوا مع الجيش (…) والمليشيات الموالية له، ثم فجروا أحزمتهم الناسفة وسط جموعهم”. واقتصر البيان على ذكر مدينة السويداء فقط من دون التطرق إلى قرى في ريفها الشمالي الشرقي طاولتها الهجمات، وفق المرصد والإعلام الرسمي السوري.

من جهته أشار “المرصد السوري لحقوق الإنسان” إلى أنّ “ثلاثة تفجيرات بأحزمة ناسفة استهدفت مدينة السويداء وحدها، فيما وقعت التفجيرات الأخرى في قرى في ريفها الشمالي الشرقي، قبل أن يشنّ تنظيم داعش، الموجود في بعض أرياف المحافظة الملاصقة للبادية السورية، هجوماً تسبب في مقتل العشرات، فضلاً عن تسجيل وجود مفقودين لم يعرف مصيرهم، بعدما أكدت مصادر متقاطعة للمرصد أنه جرى اختطاف عدد من المدنيين واقتيادهم إلى مناطق سيطرة التنظيم في بادية السويداء الشمالية الشرقية.

في المقابل، وثّق المرصد السوري مقتل 30 على الأقل من عناصر تنظيم داعش، بينهم 4 انتحاريين فجّروا أنفسهم بأحزمة ناسفة.
في المقابل، قالت وكالة أنباء النظام السوري “سانا”، إنّ هجوماً انتحارياً في مدينة السويداء السورية أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، مشيرة إلى أنّ السلطات قتلت اثنين من المهاجمين الانتحاريين “قبل تفجير نفسيهما”.
وأكد ناشطون محليون أن سكان قرى في ريف السويداء هم من تصدّى لعناصر تنظيم داعش، إذ دارت الأربعاء اشتباكات وصفوها بـ “العنيفة”، في ظل غياب قوات النظام، مؤكدين أن مسلحي التنظيم استخدموا صواريخ محمولة وأسلحة فردية وقنابل يدوية.

وأعقبت هذه التفجيرات زيارة يبدو أنها لم تكلل بالنجاح لضباط روس إلى المحافظة لإقناع “شيوخ عقل” طائفة الموحدين بإلحاق آلاف الشباب الدروز بقوات النظام، فيما حمّل عدد من نشطاء المحافظة النظام مسؤولية تسهيل حدوث الهجمات الدموية.
ويعدّ هذا الهجوم الأول من نوعه الذي يضرب محافظة السويداء التي بقيت بلا أحداث جسام وعمليات عسكرية طيلة سبع سنوات هي عمر الثورة السورية على النظام الذي حرص على معاملة الدروز معاملة “خاصة”، كي لا ينضموا إلى الثورة، وهو ما كان من شأنه تغيير دفة الصراع برمته ربما. وحمّلت مصادر محلية، النظام السوري المسؤولية عمّا جرى في السويداء، مشيرة إلى أنّ “النظام سمح، عن قصد أو عن غير قصد، بوصول عناصر تنظيم داعش إلى السويداء، حين أخرج عناصر التنظيم من جنوبي دمشق قبل أشهر بالحافلات، ونقلهم إلى ريف السويداء الشمالي الشرقي”. وكان من الواضح أن النظام دفع باتجاه “خلق” تنظيم “داعش” في جنوب البلاد ليكون “فزّاعة” وورقة ضغط على محافظة السويداء المتاخمة لدرعا، تحسباً من أي حراك يؤدي إلى خروجها عن سيطرته.

وتقع محافظة السويداء إلى الجنوب الشرقي من العاصمة السورية دمشق، وهي من المحافظات السورية صغيرة المساحة إذ تبلغ نحو 5 آلاف كيلومتر مربع، ولها حدود جغرافية مع الأردن من ناحية الجنوب، فيما يحدها من الشمال ريف دمشق، ومن الغرب درعا، ومن الشرق البادية السورية وصولاً إلى المثلث السوري الأردني العراقي. وبلغ عدد سكان السويداء التي يقطن فيها بدو سوريون إلى جانب أكثرية من الطائفة الدرزية نحو 700 ألف نسمة في عام 2011، إلا أن عدداً من سكانها، خصوصاً الشباب منهم، هاجروا إلى دول أوروبية إبان سنوات الثورة، على غرار باقي مكونات الشعب السوري.

وتعد السويداء أهم مركز سكني للمكون الدرزي في سورية، ولكنهم ينتشرون أيضاً في حي جرمانا الدمشقي وفي ضاحية صحنايا جنوب دمشق، إضافة إلى ريف القنيطرة وقرى في ريف إدلب شمال غربي سورية، فضلاً عن وجود عدد كبير منهم في الجولان السوري المحتل.

وللسويداء مكانة خاصة في الذاكرة السورية، إذ انطلقت منها شرارة الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي في عام 1925 التي قادها سلطان باشا الأطرش، لكن المحافظة اختارت الوقوف على الحياد في الثورة السورية ضد النظام، واحتضنت آلاف النازحين من محافظات سورية مجاورة لها.

وظهرت في السويداء، في عام 2015، حركة معارضة للنظام قادها الشيخ وحيد البلعوس، سميت بـ “تجمع شيوخ الكرامة”، لكن انفجاراً كبيراً بسيارة مفخخة أودى بحياة البلعوس الذي كان يُوصف بـ “شيخ الكرامة”، وعدد من رفاقه في أغسطس/ آب من ذاك العام، أعقبه توتر كبير في عموم المحافظة بسبب اتهام النظام بالوقوف وراء عملية الاغتيال. وكان بلعوس رفض انخراط الدروز في صفوف قوات النظام، إضافة إلى مواقف أخرى شكلت قلقاً لدى النظام الذي خشي من فقدان ورقة الأقليات في الصراع الدائر، إذ يزعم أنه حامي هذه الأقليات في سورية.

واللافت أن تفجيرات السويداء الأخيرة، أعقبت زيارة عدد من الضباط الروس إلى المحافظة ولقائهم مع عدد من “شيوخ العقل” والوجهاء في الطائفة الدرزية لإقناعهم بإلحاق آلاف من الشباب الفارين من الخدمة الإلزامية في صفوف قوات النظام. وأكدت مصادر مطلعة أن وجهاء في السويداء قالوا للضباط الروس إنهم “لن يسلموا أي شاب للخدمة في جيش النظام، وتوعدوهم بمواجهة أي محاولة لاستجرارهم إلى الخدمة”، وفق المصادر.

وحاول النظام مراراً دق أسافين فرقة وخلاف بين أهل السويداء (الدروز) وجيرانهم التاريخيين أهل درعا (السنة)، من خلال دفع مليشيات محلية من المحافظتين مرتبطة به للقيام بعمليات خطف متبادل، إلا أنه فشل في ذلك. كما رفض عموم أهل السويداء عمليات التعفيش التي قام بها البعض لبيوت مدنيين في درعا أخيراً واعتبروها محاولة جديدة للإيقاع بين أهالي المحافظتين وخلق صراع طائفي يديره النظام وفق مصالحه.

وتزامنت تفجيرات السويداء مع المعارك الدائرة منذ أيام عدة بين قوات النظام وفصيل “جيش خالد بن الوليد” المبايع لتنظيم “داعش” في منطقة حوض اليرموك في أقصى ريف درعا الغربي، حيث يسيطر الفصيل على أكثر من 16 بلدة وقرية في هذا الريف. وتواجه قوات النظام صعوبة في حسم المعركة لصالحها، إذ أكدت مصادر إعلامية معارضة أن محاولات اقتحام للمنطقة باءت بالفشل. وأشارت إلى أن قوات النظام تعرضت لكمائن عدة أدت إلى مقتل 36 عنصراً من قوات النخبة لدى النظام بينهم ضباط. ولفتت إلى أن آلاف الضربات الجوية وسياسة الأرض المحروقة التي يتبعها الطيران الروسي في بقعة جغرافية ضيقة لم تتح لهذه القوات تحقيق أي تقدم في حوض اليرموك.

وليس هناك إحصاء دقيق لعدد مسلحي “جيش خالد بن الوليد”، لكن مصادر محلية رجحت، في حديث مع “العربي الجديد”، أن يكون عديدهم نحو ألف مسلح “اكتسبوا خبرة قتالية على مدى سنوات الصراع في سورية، إذ خاضوا معارك مع قوات النظام، وفصائل المعارضة المسلحة على حد سواء”.

واتهم عدد من نشطاء ومعارضي محافظة السويداء النظام بالوقوف وراء تفجيرات أمس أو تسهيل حدوثها من لأجل إثارة الفزع في نفوس أهل السويداء ودفعهم للوقوف معه في محاولته سحق أي معارضة له في عموم الجغرافيا السورية. وكان النظام قد نقل مئات المسلحين من تنظيم “داعش” من مخيم اليرموك جنوب دمشق إلى ريف السويداء الشرقي، في مايو/ أيار الماضي، في صفقة طرحت أسئلة عن الدور الذي يؤديه النظام في تحريك التنظيم وفق مصالحه.

في المقابل، يحاول التنظيم فرض تسوية على النظام وحلفائه تتيح له إنقاذ مسلحيه المحاصرين في منطقة حوض اليرموك من خلال ضرب محافظة السويداء التي يخشى النظام “غضبة أهلها” في حال باتت مستباحة من قبل التنظيم الذي يوشك على النهاية في الجنوب السوري.

اترك رد

يجب ذكر المصدر عند النقل . موقع المصيدة الإخباري