كيف فشلت شبكة “التصوف” التي يديرها حكام الإمارات في مواجهة المد السلفي؟!

كيف فشلت شبكة “التصوف” التي يديرها حكام الإمارات في مواجهة المد السلفي؟!

أحمد عسيري – الخليج العربي:

شهدت دولة الإمارات العربية المتحدة تغيرات كبيرة في سياساتها الخارجية منذ وفاة مؤسسها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان عام 2004م، وتولي نجله الشيخ خليفة بن زايد للحكم.

إن التغيرات الكبيرة في السياسات الخارجية للإمارات، لم يأت بسبب تولي خليفة للحكم، ولكن السبب الرئيس هو محمد بن زايد، الذي أصبح منذ وفاة والده ولياً لعهد أبوظبي، ونائباً للقائد الأعلى للقوات المسلحة، ورئيساً للمجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، والحاكم الفعلي لدولة الإمارات.

ومنذ تولي محمد بن زايد لولاية عهد أبوظبي، استغل محمد ضعف شخصية أخيه غير الشقيق خليفة، وأصبح الحاكم الفعلي للإمارات، وعمل خلال السنوات العشر الماضية   “2004- 2014 “على إدماج الشأن الديني في الأمن الوطني، وتغيير الهوية الدينية للدولة نحو المذهب المالكي، والنهج الصوفي، وجعلهم جزءاً من الهوية الوطنية لجميع إمارات الاتحاد بدلاً عن المذهب الحنبلي والهوية السلفية التي يتميز بها الخليج.

ونزع ولي عهد أبوظبي إلى خلط الملف الديني بالسياسي؛ وتوجه لتأسيس تحالف صوفي عالمي، يجاهر أقطابه باستهداف المملكة العربية السعودية ومرجعيتها الدينية على حد سواء، حيث بدأ هذا المخطط في عام 2005م، عندما دشن محمد بن زايد مؤسسة “طابة”، وجمع فيها زعامات التصوف السياسي من الشام والمغرب واليمن ومصر في مشروع هجين لمناكفة  الجيران الحنابلة من أتباع الإمام محمد بن عبدالوهاب في السعودية وقطر.

وترشح من جلساء الشيخ محمد بن زايد بين الفينة والأخرة تسريبات تعكس مشاعر الاحتقان لديه، في حين تعمد مراكز الدراسات الإماراتية إلى تأجيج هذه النزعات العدائية من خلال نشر بحوث تطعن في نهج المملكة العربية السعودية واتهامها بدعم حركات التطرف والغلو.

اختيار محمد بن زايد للحركات الصوفية لتشكيل جبهة مضادة للحركات الإسلامية عموماً والسلفية خصوصاً، لم يأت بسبب معرفته العميقة بالخلافات بين المناهج والتيارات الدينية، ولكنه جاء بتوصية من مؤتمر برنامج الأمن الدولي الذي عقد في 2003  لاستكشاف مدى دور الصوفية في تحقيق أهداف السياسة الخارجية الأمريكية.

وكان الغرض من الاجتماع تعريف صناع القرار في الإدارة الأمريكية بالدور الذي يمكن أن تمارسه الطرق الصوفية في الحقل السياسي، إلا أن الحديث تحوّل إلى مناقشة آليات القضاء على الفكر: «الوهابي-السلفي الذي تمثله المملكة العربية السعودية » وذلك من خلال تنشيط الحركات الصوفية، واستخدامها في مواجهة هذا الفكر الذي نسبت إليه جميع “الحركات الإرهابية” في العالم الإسلامي.

وقد خرج وقتها المؤتمر بتوصية مفادها، ضروة تحسين العلاقة بين المسلمين والغرب و تبني الإدارة الأمريكية مجموعة حوافر، لنشر القيم عبر إعادة بناء أضرحة الأولياء وتمويل مراكز التصوف، ومساعدة الشباب على التحرر من عدائية الفكر الوهابي.

ومنذ ذلك الحين، بدأت عملية التحشيد السياسي للطرق الصوفية العابرة للحدود، حيث عقد المؤتمر العالمي للطريقة الشاذلية في 2003 بالتعاون مع منظمة اليونيسكو، وأعلن في العراق عن تأسيس «الأمانة العليا للإفتاء والتدريس والبحوث والتصوف الإسلامي” في يناير 2004، وعقد في شهر سبتمبر من العام نفسه، المؤتمر الأول لمجموعة «سيدي شيكر العالمية للمنتسبين إلى التصوف» تحت رعاية الملك محمد السادس، تبعه «المؤتمر العالمي الأول للطرق الصوفية” بغرب أفريقيا في شهر ديسمبر 2004، في حين أقامت” الجماهيرية الليبية” مؤتمراً دولياً سبتمبر 2005، بعنوان: «الطرق الصوفية في أفريقيا:حاضرها ومستقبلها”.

ولم يكن من قبيل المصادفة أن يتفق كل من توماس رايلي السفير الأمريكي في المغرب، ونظيره في مصر فرانسيس ريتشارد دوني، على التقرب من رموز الطرق الصوفية عام 2006، حيث شارك دوني أهالي مدينة طنطا احتفالاتهم بمولد السيد البدوي، وفي الفترة نفسها حضر توماس رايلي احتفال المولد النبوي الذي أحيته الطريقة القادرية البودشيشية، التي شهدت انتشاراً واسعاً في السنوات الأخيرة بين الأطر العليا في المغرب.

وتشير المصادر إلى أنه منذ تعيين أحمد توفيق، أحد مريدي الطريقة البوتشيشية، المقربين من شيخها على رأس وزارة الأوقاف المغربية، والعمل جار على الترويج للطرق الصوفية، وقد تكثف دعم هذه الطرق منذ انتهاج الدولة سياسة ما يسمى بـ”إعادة تشكيل الحقل الديني”، التي تعتبر التصوف أحد أهم دعاماتها.

أما في الجزائر، فقد عمل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على التقرب من الطرق الصوفية في الانتخابات الرئاسية، مؤكداً أن الحركة الصوفية يمكن أن تكون بديلاً للعمل السياسي الإسلامي في المنطقة العربية، وتوجت هذه الجهود في شهر ديسمبر 2013 بإعلان تأسيس الجمعية الجزائرية للزوايا والثقافة الصوفية بهدف “استرجاع مكانة الزاوية كصرح ديني وثقافي”.

وقد دفعت هذه التطورات بالمستشرق الفرنسي المسلم إريك جيوفروي المختص في الصوفية بجامعة لوكسمبورغ شمال فرنسا، ليؤكد أن المستقبل في العالم الإسلامي سيكون حتماً للتيار الصوفي، مشيرًا إلى أن الأنظمة العربية قد عملت على إدماج الصوفية في الحكم بهدف محاربة الظاهرة الإسلامية، فوزير الأوقاف والشؤون الإسامية في المغرب أحمد توفيق صوفي، كما أن شيخ الأزهر أحمد الطيب في مصر صوفي أيضاً!

وشهد شهر أكتوبر 2013 تأسيس «المنظمة الصوفية العالمية» في فرنسا بمشاركة قادة الصوفية بتركيا، وإيران، وباكستان، والمغرب، والجزائر، وتونس، وليبيا، وقال أحمد التسقياني عضو المجلس الصوفي الأعلى: إن المنظمة سوف يكون لها دور محوري في الدول الإسلامية كافة، لأنها سوف تعمل على محاربة الأفكار المتطرفة التي انتجتها التيارات السلفية والإخوانية على مدار سنوات كاملة استغلت فيها هذه التيارات الجهل الذي يتمتع به غالبية الشباب المسلم.

وقد توج محمد بن زايد العمل على تقوية التصوف في مواجهة السلفية في العاشر من شهر مارس 2014 خلال أعمال منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة بالعاصمة الإماراتية أبو ظبي، الذي أعلن عن تأسيس مجلس الحكماء المسلمين.

وقد ساهم القائمون على المؤتمر في تعزيز حالة الاحتقان تجاه المؤسسات الدينية السعودية؛ حيث هاجم الشيخ الصوفي عبد الله بن بيه مؤسستي الفتيا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المملكة العربية السعودية، معتبرًا أداء هذه المؤسسات سبباً في الانحرافات التي تغذي التطرف وبالأخص منها: التفسير الخاطئ لمعنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كرخصة للتدخل وفرض سلوك شخصي إلى درجة تنفيذ القعاب البدني العنيف وغير الإنساني، واتهم الشيخ بن بيه من يتصدر للفتيا بأنهم يجهلون: الشروط والتخصصات ويفتقرون للمؤهات اللازمة التي تتطلبها الشريعة الإسامية لإصدار الآراء الدينية الموثوقة.

وعلى النسق نفسه؛ شنت الصحافة الرسمية هجوماً على السلفية بمختلف توجهاتها، فنشرت تقارير تتحدث عن توجه المؤتمر لـ “مواجهة الطوفان الديني السلفي التكفيري المتزمت الذي ظل يتدفق علينا منذ نهاية الخمسينيات حاملاً معه طوابير طويلة من اليافعين العرب والمسلمين الذين لم يتوفر لهم تعليم عصري يفتح عيونهم على حقائق العصر والعلم وعلى مسيرة الشعوب الأخرى المتسارعة نحو عالم جديد قائم على مزيد من التسامح والتآلف والتلاقح، بل تركوا نباتاً صحراوياً دون رعاية حتى تلقفهم رجال دين مغلقون على الماضي يجاهدون من أجل إعادة الأمة مئات السنين إلى خلف، إلى أيام الحلاقة على الرصيف، ورجم الزانية بالحجارة حتى الموت… ومنع الشعر والرسم والنحت والموسيقى وإعدام القائل بأن الأرض كرة تدور حول نفسها وحول الشمس”.

ولابد من القول إن التصريحات العدائية التي تكررت على لسان منظمي المنتدى تقدح في مصداقية تبنيه لفكرة تعزيز السلم الأهلي ومبدأ الانفتاح على جميع التيارات الإسلامية، في حين ظهر الوجه الآخر للفعالية من خلال بيانها الختامي الذي نص على: «أهمية إعادة تثبيت سلطة المرجعية في الأمة!».

فهل يمكن القول إن الأمة قد فقدت مرجعيتها الدينية حتى يجعل المؤتمرون من أهدافهم استعادة المرجعية؟!.. وهل يسوغ أن تعمل السلطة السياسية -في أي دولة- على تأسيس مرجعية دينية جديدة تنسجم مع خطها وتستبعد المرجعيات التي لا تتوافق مع توجهاتها؟!

إن نظرة فاحصة للمشهدين السياسي والديني في العالم العربي اليوم، يدلل على فشل كل محاولات حكام الإمارات في جعل النهج الصوفي بديلا للنهج السلفي، حيث يواصل النهج السلفي امتداده سواء دينياً، من خلال ازدياد مريديه من الشعوب العربية، أو سياسياً، من خلال تبني الغالبية لنهجها السياسي في قتال أنظمة الاستبداد عسكرياً، مقابل انحسار واضح في النهج الصوفي دينياً وسياسياً، حيث باتت الشعوب العربية تعي أن الصوفية هي حركة مصلحية تصب في صالح الأنظمة أكثر منها حركة إسلامية تريد نصرة شرع الله.

اترك رد

يجب ذكر المصدر عند النقل . موقع المصيدة الإخباري